عرض مشاركة مفردة
قديم 11-07-2017, 12:59 AM
وهج الإيمان وهج الإيمان غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 85283

تاريخ التّسجيل: Apr 2010

المشاركات: 26,093

آخر تواجد: اليوم 12:31 PM

الجنس: أنثى

الإقامة:

كتاب نهج البلاغة للإمام عليِّ بن أبي طالب (ع) أنموذجاً


عندما يكون للنبل فارساً
(تعريف المعرف به)
النثر في عصر صدر الإسلام الحلقة الرابعة
بقلم د. يسري عبد الغني عبدالله(1)

رجل من طراز فريد:
أبو الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم، وكان أصغر وُلد أبي طالب.
علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، ولد في 13 رجب سنة 23 قبل الهجرة، (بعد ثلاثين عاماً من عام الفيل)، الموافق 17 مارس سنة 599 م، واستشهد في 21 رمضان (أو 17 رمضان ، سنة 20 هجرية، الموافق 27 يناير سنة 661 م، وهو ابن عمَّ الرسول الكريم والنبي الأمين وخاتم المرسلين محمد بن عبد الله w، وصهره، وكافله حين توفي والداه وجدُّه، وهو رابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول الأئمة.
ولد في مكّة المكرَّمة، وتشير مصادر التاريخ بأن ولادته كانت في جوف الكعبة، وهو ثاني الناس دخولاً في الإسلام، وأول من أسلم من الصحابة، هاجر إلى المدينة المنوّرة بعد هجرة الرسول الكريم محمد (عليه الصلاة والسلام) بثلاثة أيام، وآخاه محمد (عليه الصلاة والسلام) مع نفسه حين آخى بين المسلمين.
لقد نشأ الإمام علي بن أبي طالب (ع) في بيت النبوة، فكان أول من أسلم من الصحابة، وتربى على أخلاق ابن عمه محمد بن عبد الله المبعوث هدى ورحمة للعالمين (عليه الصلاة والسلام)، وقد نشأ شجاعًا بطلاً لا يعرف الجبن، فقد نام في فراش النبي ليلة الهجرة، ثم هاجر وشارك في الغزوات المختلفة، كما أنه عايش الدولة الإسلامية حتى انتشر نورها في الآفاق وكان أعلم الناس بالقرآن الكريم.
ألقابه:
من ألقاب الإمام علي: ولي الله، المرتضى، حيدرة (الأسد)، أمير المؤمنين، يعسوب المؤمنين ويعسوب الدين (أي رئيس القوم أو كبيرهم أو مقدمهم)، الصّديق الأكبر، الفاروق الأعظم، باب مدينة العلم... وهي تسمية مستندة لحديث الرسول محمد بن عبد الله (عليه الصلاة والسلام) يقول فيه: أنا مدينة العلم وعلي بابها، وهو حديث يقبله غالبية المسلمين، وقد أكده الإمام السيوطي في كتابه (تاريخ الخلفاء)، وليد الكعبة: لما ذكر بأنه ولد داخل الكعبة المشرّفة، شهيد المحراب: لأنه قتل أثناء الصلاة، كما يكنّى بأبي الحسن، وأبي تراب، وأبي السبطين، وأبي الحسنين، وأبي الريحانين..
كان رضوان الله عليه من كتَّاب الوحي، وقد بلغت روايته عن رسول الله أكثر من 536 حديثاً.
شهد موقعة بدر، والحديبية وسائر المشاهد، زوجه النبي (عليه الصلاة والسلام) صغرى بناته السيدة فاطمة الزهراء u، وكانت سنها حينئذ 15 سنة، وخمسة أشهر ونصف، وسن علي (كرم الله وجهه) 21 سنة، وخمسة أشهر (في السنة الثانية من الهجرة)، فولدت له الحسن، والحسين، وأم كلثوم، وزينب (عليهم سلام الله أجمعين)، ولم يتزوج عليها غيرها حتى انتقلت إلى رحاب الله.
وُلِيَّ الخلافة بالمدينة يوم مقتل عثمان بن عفان (رضي الله عنهما) في ذي الحجة سنة 35هـ، ورحل عن المدينة إلى الكوفة العراقية فاستقر بها، وكانت خلافته 4 سنوات و9 أشهر و10 أيام.
قال أبو عمر في الاستيعاب: وأحسن ما رأيت في صفة علي (كرم الله وجهه) أنه كان ربعة من الرجال، إلى القصر ما هو، أدعج العينين (سواد العين مع سعتها)، حسن الوجه كأنه القمر ليلة البدر حُسناً، ضخم البطن، عريض المنكبين شئن (غليظ) الكفين، عتداً (الشديد التام الخلق) أغيد (المائل العنق)، كأن عنقه أبريق فضة، أصلع ليس في رأسه شعر إلا من خلفه، كبير اللحية، لمنكبه مشاش (رأس العظم) كمشاش السبع الضاري، لا يتبين عضده من ساعده قد أدمجت إدماجاً، إذا تمشى تكفأ، وإذا أمسك بذراع رجل أمسك بنفسه فلم يستطع أن يتنفس، وهو إلى السُمن ما هو، شديد الساعد واليد، وإذا مشى إلى الحرب هرول، ثبت الجنان، قوي شجاع، منصور على من لاقاه.
ويرى أستاذنا العقاد أن مفتاح شخصية الإمام عليّ بن أبي طالب (ع)، هو أدب الفروسيّة، فقد بلغت به نخوة الفروسيّة غايتها المثلى، فلم ينس الشرف قط ليغتنم الفرصة.
علمه:
اتفق خصوم الإمام وأنصاره على بلاغته وفصاحته، كما اتفقوا على علمه وفطنته.
عرف عن علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه)، علمه الغزير، سواء كانت علوماً دينية أو دنيوية، فقد عرف ببراعته في علوم الرياضيات، وسرعته في حل المسائل الحسابية وبالذات تقسيم الميراث، كما ذُكر له وصف الذرَّة.
يضاف إلى ذلك تمكنه من علوم اللغة كالنحو والصرف والبلاغة، ويؤكد التاريخ على أنه كان معلِّماً لأبي الأسود الدؤلي ويقال إنه أوصاه بدراسة النحو لمواجهة ما شاع من لحن على ألسنة بعض الناس نتيجة لدخول العديد من العناصر والأجناس والقوميات إلى الدين الإسلامي.
كما يقال إنه أول من صنّف كتابًا في الفقه، وكان معلِّماً لعبد الله بن عباس، وكان يحثُّ النّاس على سؤاله حرصاً منه على نشر العلم..
ويروي بعض المصادر أن حتى خادمته فضة كانت محبة للعلم بل كانت تعلم علم الكيمياء.

الإمام علي بن أبي طالب (ع) عند غير المسلمين:
وبالنسبة لرأي غير المسلمين في شخصية الإمام علي (ع)، فقد أثنى عليه بعضهم مثل: (ادوارد جيبون) في كتابه الشهير « أفول وسقوط الدولة الرومانية » ، وكذلك السير وليم موير، وقال عنه الشاعر الفيلسوف جبران خليل جبران: إن علي بن أبي طالب هو كلام الله الناطق، وقلب الله الواعي، نسبته إلى من عاداه من الأصحاب شبه المعقول إلى المحسوس، وذاته من شدة الاقتراب ممسوس في ذات الله، والبعض الآخر من غير المسلمين لديه رؤى غير سلبية تجاه علي بن أبي طالب، مثل: هنري لامينز، وفي واقع الأمر أن هؤلاء أصحاب الرؤية السلبية لم يتسنَّ لهم قراءة ودراسة حياة وفكر الإمام علي (كرم الله وجهه)، ولو تسنى لهم ذلك لحكموا الحكم الصحيح وذهبوا إلى الرأي الصائب في كلامهم عن الإمام (كرم الله وجهه).
تراثه:
وبالنسبة لتراثه (رضي الله عنه)، فيُعّد كتاب: (نهج البلاغة) من أهم الكتب لدى المسلمين والذي يحتوي على العديد من حكمه وأقواله ووصاياه، وقد جمعه الشريف الرضي، ويرى البعض عدم صحة نسب الكتاب لعلي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، إلا أن واقع الحال وبالأدلة الموثّقة والبراهين المؤكدة فإن الكتاب منسوب للإمام علي (رضي الله عنه)، وهو من الكتب المعتبرة لدى جماهير غفيرة من المسلمين ، ويعتبره جلّهم من أهم الأعمال الفقهية والدينية والسياسية في الإسلام، وقد تم تأليف العديد من الشروح والتعليقات على هذا الكتاب القيم من مختلف الكتّاب والدارسين والباحثين في مختلف العصور ، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المدائني، وشرح الأستاذ الإمام محمد عبده مفتي الديار المصرية سابقاً.
ومن الكتب المنسوبة إليه (ع) كتاب: (أنوار العقول من أشعار وصي الرسول)، وكذلك ينسب إليه ديوان فيه أشعار لقوافي جميع أحرف الهجاء، وجدير بالذكر هنا أن مؤلفه أو جامعه العالم قطب الدين الكيدلي، المتوفى عام 610 هـ .
كما ينسب إليه (ع) كتاب: (غرر الحِكَمْ ودرر الكَلِمْ)، وهو عبارة عن مجموعة معتبرة من الحِكَم والأقوال القصيرة التي قالها الإمام علي بن أبي طالب(ع) ، في مناسبات مختلفة ، قام بجمعها عبد الواحد الآمدي التميمي، والمتوفى سنة 550 هـ.
وتنسب إليه مخطوطة لكتاب فيه شرح لقصيدة: (البُردة) لكعب بن زهير، محفوظة في مكتبة الروضة الحيدرية بالنجف الأشرف.
والمعروف أن الإمام علي بن أبي طالب (ع) كان من كتّاب الوحي، وهناك روايات تؤكد على أنه أول من جمع القرآن الكريم ، وتنسب له ثلاثة مصاحف مكتوبة بخط يده أولها محفوظ بمتحف مدينة صنعاء العاصمة اليمنية ، والثاني محفوظ بمكتبة رضا رامبور بالهند ، أما المصحف الثالث فيمتلك المركز الوطني للمخطوطات بالعراق اثنتي عشرة صفحة منه ، وباقي المصحف محفوظ في مكتبة أمير المؤمنين في النجف الأشرف
كما ينسب له العديد من الأحاديث المرويّة عن النبي محمد ويقال أنها أكثر من 500 حديث ، وردت في مختلف كتب الحديث لكافة الفرق الإسلامية ، كما ذكرنا لك من قبل .
شخصيته في الأدب:
اهتم الكثير من الأعمال الفنية والأدبية والفكرية بشخصية الإمام علي بن أبي طالب (ع)، حيث تناولت العديد من الكتب حياة الإمام لمؤلفين وكتّاب من المسلمين في مختلف العصور، نذكر منها على سبيل الأمثلة لا الحصر:
كتاب «خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) » للحافظ الحجة أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي المولود عام 215 هـ، وقيل 214 هـ، وتوفي عام 303 هـ، هذا الكتاب الذي قدّم له وخرّج بعض حديثه الشيخ عبد الرحمن حسن محمود، وصدر عن مكتبة الآداب ومطبعتها بالقاهرة في مايو 1406 هـ / 1986 م، هذا الكتاب به الكثير من الهنات في التقديم له وفي تخريج أحاديثه، وقد قمنا بدراسته وتحقيقه وتدقيقه وتخريج أحاديثه، آملين أن يجد هذا الكتاب الصغير الحجم العظيم القيمة من يتولاه بعنايته ويخرجه إلى النور، ليعّم نفعه على كل محبيّ العلم، بما يليق مع مكانة النسائي الإمام الورع، الثقة الثبت، الحافظ المجيد، المحب العاشق للإمام علي بن أبي طالب وآل بيت رسول الله الهادي البشير (عليهم سلام الله أجمعين) وعلى آله وصحبه.
ولأن الشيء بالشيء يذكر: فقد ذكروا أن الإمام النسائي أُمتحن في دمشق السورية محنة شديدة سببت له مرضًا عضالاً، وطلب من محبيه أن يحملوه إلى مكة المكرمة، فحملوه إليها، وانتقل إلى رحمة الله بها راضياً مرضياً، وسبب المحنة أنهم طلبوا إليه تفضيل معاوية بن أبي سفيان على الإمام علي بن أبي طالب (ع)، فقال: ألا يرضى معاوية رأساً برأس حتى يفضل علياً ؟!، وجرت له ـ بسبب ذلك ـ أحداث جسام، أهانوه وضربوه وعذبوه، حتى أشرف على الموت، رحمه الله رحمة واسعة.
ونذكر كتاب:«مناقب الأسد الغالب» للعلامة الجزري، وكتاب:«عبقرية الإمام علي» لأستاذنا عملاق الأدب العربي عباس محمود العقاد ضمن سلسلة العبقريات الإسلامية، وتناول في الكتاب نشأته وثقافته ونبوغه الأدبي في الشعر والفصاحة والبلاغة، كما يتحدث عن حياته كخليفة ورجل سياسة، وسماه الشهيد أبا الشهداء.
كما ألف أستاذنا عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين كتاب:«الفتنة الكبرى» في جزءين ، وكان الجزء الثاني منه بعنوان: «علي وبنوه»، جاء فيه أن الفرق بين علي ومعاوية عظيم في السيرة والسياسة، فقد كان علي مؤمنًا بالخلافة، ويرى من الحق عليه أن يقيم العدل بأوسع معانيه بين الناس، أما معاوية فإنه لا يجد في ذلك بأساً ولا جناحاً، فكان الطامعون يجدون عنده ما يريدون، وكان الزاهدون يجدون عند علي ما يحبّون.
علي بن أبي طالب في الفن:
وللإمام علي بن أبي طالب
العديد من الصور المرسومة، منها:
صورة يفترض أنه تم رسمها على جلد غزال من قبل شخص معاصر له، وهناك نسختان من هذه الصورة، أحداهما محفوظة في المتحف الإيطالي في العاصمة الإيطالية روما، والأخرى محفوظة بمتحف اللوفر، ويذكر هنا أن له العديد من الصور المرسومة في العديد من متاحف العالم تعتمد على صفاته المرويّة.
وفي كثير من الصور يظهر علي وبقربه أسد رابضٌ كناية عن إحدى كراماته، فقد رأيت رسمًا تخيّلياً للإمام علي وهو يقاتل عمرو بن ود خلال غزوة الخندق، ومثل هذه الرسومات كانت موجودة في مصر وتعلّق في المنازل، ويتبارك بها الناس معتزين بها، وذلك قبل أن يتسلل إلى تسامحنا واعتدالنا التعصّب المقيت والانغلاق الغريب.
كما رأيت في دار الكتب المصرية أثناء عملي بها نسخة من صورة موجودة بالعراق الشقيق عبارة عن مخطوطة كتبت وسط إطار فني مبدع، مخطوطة تناظرية لاسم الرسول محمد (عليه الصلاة والسلام) يميناً، والإمام علي بن أبي طالب (ع) يساراً، وقد حاولت أن أتعرف إلى الفنان الذي أبدع هذا الرسم إلا أنني لم أتمكن من ذلك، حيث أكد لي العديد من الأصدقاء الباحثين في الفن الإسلامي أن هناك آلاف اللوحات رسمت حبًا في آل بيت رسول الله (عليه الصلاة والسلام)، دون أن يكون لها فنانٌ محددٌ.
ـ كما اطلعت على صورة من رسم تركي عثماني للرسول محمدw، وهو يزوج ابنته السيدة فاطمة الزهراء u بابن عمه الإمام علي بن أبي طالب (ع)، وقد غطي وجه فاطمة والنبي محمد باللون الأبيض احتراماً لهما، وهو رسم على درجة عالية من الدقة والجمال والإتقان.
واطلعت في دار الكتب المصرية أيضاً على مخطوطة لمقولة: (لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار) والتي يقال إن الرسول محمد (عليه الصلاة والسلام)، قالها للإمام علي بن أبي طالب(ع).
كما رأيت صورة جميلة متقنة في إبداعها تصور المسلمين وهم يبايعون الإمام علي بن أبي طالب (ع) بالخلافة، وقد استخدم فيها الفنان الذي رسمها مجموعة من الألوان الهادئة المعبّرة.
واطلعت على رسم تركي عثماني لموقعة الجمل، وقد غطي وجه كل من السيّدة عائشة، والإمام علي بن أبي طالب (ع)باللون الأبيض.
ورأيت صورة لرسم جميل لاسم الإمام علي بن أبي طالب (ع) على أحد الصحون الجداريّة العملاقة في (أيا صوفيا) بتركيا.
وقد ظهرت شخصية الإمام علي بن أبي طالب على شاشة التلفاز العربي لأول مرة بعد منع الأزهر الشريف لتجسيد آل البيت أو الصحابة (رضي الله عن الجميع)، وذلك عن طريق مسلسل عمر بن الخطاب الذي أثار جدلاً بين المسلمين لدى عرضه، وقد كان من إخراج المخرج السوري حاتم علي، وقد جسّد دور الإمام علي بن أبي طالب الممثل التونسي غانم الزرلي.
وختاماً لهذا الفصل نقول: قُتل (كرم الله وجهه) بالكوفة العراقية غِيلَةً، قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي، حين دخل المسجد، وذلك في يوم 17 من رمضان سنة 40 هـ.
الهوامش:

(1) باحث وكاتب من جمهورية مصر العربيّة.

التوقيع :

إعرف الحق تعرف أهله
كتبي الإلكترونية على الميديا فاير :

http://www.yahosein.com/vb/showthread.php?t=226146

الرد مع إقتباس